السيد الطباطبائي

132

تفسير الميزان

وأبينه لكم وهو أنى لا أعبد آلهتكم وأعبد الله وحده . وقد أخذ في قوله : ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) له تعالى وصف توفيهم دون غيره من أوصافه تعالى لأنهم إنما كانوا يعبدون الاله لزعمهم الحاجة إليه في دفع الضرر وجلب النفع ، والتوفي أمر لا يشكون أنه سيصيبهم وأنه لله وحده فمساس الحاجة إلى الامن من ضرره يوجب عبادة الله سبحانه . على أن اختيار التوفي للذكر ليكون في الكلام تلويح إلى تهديدهم فإن الآيات السابقة وعدتهم العذاب وعدا قطعيا ، ووفاة المشركين ميعاد عذابهم ، ويؤيد ذلك اتباع قوله : ( ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ) بقوله : ( أمرت أن أكون من المؤمنين ) فإن نجاتهم من العذاب جزء الوعد الذي ذكره الله في الآيتين السابقتين على هذه الآية : ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبل - إلى قوله - ننج المؤمنين ) . والمعنى : فاعلموا واستيقنوا أنى لا أعبد آلهتكم ولكن أعبد الله الذي وعد عذاب المكذبين منكم وإنجاء المؤمنين وأمرني أن أكون منهم كما أمرني أن أجتنب عبادة الالهة . قوله تعالى : ( وأن أقم وجهك للدين حنيفا ) عطف على موضع قوله : ( وأمرت أن ) الخ ، فإنه في معنى وكن من المؤمنين ، وقد مر الكلام في معنى إقامة الوجه للدين الحنيف غير مرة . قوله تعالى : ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ) نهى بعد نهى عن الشرك ، وبيان أن الشرك يدخل الانسان في زمرة الظالمين فيحق عليه ما أوعد الله به الظالمين في كلامه . ومن لطيف التعبير قوله حين ذكر الدعاء : ( ما لا ينفعك ولا يضرك ) وحين ذكر العبادة : ( الذين تعبدون من دون الله ) فإن العبادة بالطبع يعطى للمعبود شعورا وعقلا فناسب أن يعبر عنه بنحو ( الذين ) المستعمل في ذوي العلم والعقل ، والدعاء وإن كان كذلك لمساوقته العبادة غير أنه لما وصف المدعو بما لا ينفع ولا يضر ، وربما توهم أن ذوي العلم والعقل يصح أن تنفع وتضر ، عبر بلفظه ( ما ) ليلوح إلى أنها جماد لا يتخيل في حقهم إرادة نفع أو ضرر .